عثمان بن جني ( ابن جني )
369
سر صناعة الإعراب
ومتى اجتمعت همزتان وانكسرت الأولى منهما قلبت الثانية ياء البتة ، وكان البدل لازما ، وذلك قولك : إيمان ، وإيلاف « 1 » ، وإيناس ، وأصله : إئمان ، وإئلاف ، وإئناس ، فقلبت الثانية ياء البتة لانكسار ما قبلها ، ولم يجز التحقيق لاجتماع الهمزتين ، فقس على هذا . وقد أبدلوا الهمزة ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف ، وذلك قولهم في « قرأت » : « قريت » وفي « بدأت » : « بديت » وفي « توضّأت » : « توضيّت » . وعلى هذا قال زهير « 2 » : جريء متى يظلم يعاقب بظلمه * سريعا ، وإلّا يبد بالظّلم يظلم « 3 » أراد يبدأ ، فأبدل الهمزة ، وأخرج الكلمة إلى ذوات الياء . ومن أبيات الكتاب « 4 » : وكنت أذلّ من وتد بقاع * يشجّج رأسه بالفهر واجي « 5 » يريد : واجئ ، فأبدل الهمزة ياء ، وأجراها مجرى الياء الأصلية . والدليل على ذلك أنه جعلها وصلا لحركة الجيم ؛ ألا ترى أن البيت جيميّ ، ولو كانت الهمزة منوية عنده لم يجز أن تكون الياء وصلا كما لا يجوز أن تكون الهمزة المرادة المنوية وصلا .
--> ( 1 ) وإيلاف : من يؤلفون أي يهيئون ويجهزون . اللسان ( 9 / 10 ) مادة / ألف . ( 2 ) البيت من معلقة زهير . انظر ديوانه ( ص 24 ) . ( 3 ) جريء : مقدم من قوم أجرئاء بهمزتين عن اللحياني . اللسان ( 1 / 44 ) مادة / جرأ . يقول : وهو شجاع متى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس إظهارا لحسن بلائه ، والبيت من صفة أسد في البيت الذي قبله وعني به حصينا ثم أضرب عن قصته ، ورجع إلى تقبيح صورة الحرب والحث على الصلح . والشاهد فيه « يبد » فأصلها « يبدأ » حيث قلبت الهمزة ياء للتخفيف . وحذفت بجزم مقدر ، وتقديره ( وإلا إن يبد بالظلم يظلم ) . ( 4 ) البيت لعبد الرحمن بن ثابت من قصيدة هجاء . انظر / الكتاب ( 2 / 170 ) . ( 5 ) الفهر : حجر ناعم صلب يسحق به الصيدلي الأدوية . الواجي : دق عنقه . اللسان ( 1 / 190 ) مادة / وجأ . والشاهد فيه ( واجي ) حيث أبدل الهمزة ياء وأصلها ( واجئ ) وأجراها مجرى الياء الأصلية .